محمد خليل المرادي

30

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

شهابه . أو الأمين لأقرّ بالخيانة واختلاس نفحته من ريحانة آدابه ، أو العناياتي لنسج حلل آدابه على منواله . أو الهلالي لخفي عند سطوح شمس فضائله قلامة هلاله . وبالجملة فشأوك لا يدرك ، وشعبك لا يسلك . وسحاب طبعك لا يبارى ، وجواد فكرك لا يجارى . ولعمري لقد فاخرت لذات الشيخ والقيصوم . وطاولت بأسجاعك السائرة وأبياتك العامرة ما شيدوا من منثور ومنظوم . وأحرزت قصب السبق في سوق عكاظه بين أبطال نجد وتهامة ، فنادتك الفصاحة مذ بلغت في مضمارها الانتهامة . فلقد أزريت بأهل الوبر ، من سكّان الضال والسلم . ويمّمت حرم بلاغتهم فاقتنصت منه أوابدها ، وأبحت الصيد في الحرم ، فعقدت عليك إذ ذاك الخناصر . وإيّاك عنى من قال : « كم ترك الأوّل للآخر » وارتقيت إلى حيث النجوم شبائك ، والمعالي أرائك . فعين اللّه ترعى من بهائك للفضائل بدرا . وتكلأ من سنائك للآداب فجرا . وهو المسؤول أن يديم علاك . ويطيل بقاك . ويسني قربك . ويدني لقاك . كتبت إليك أعلى اللّه قدرك . وأسرى في ملك السعادة بدرك . بين عجز ناه ووجد آمر . وذكر ساه وشوق ساهر . عن زفرة لا يخمد طيبها . وحسرة لا يسكن وجيبها . ونار بعاد تتلظّى . ونفس من شطط البين تتشظّى . وشوق يتكرّر بتكرّر الشفق . ويتجدّد كلّما تمزّقت ثياب الغسق . بتحيّات ألطف من رشحات الخجل على صفحات الخدود ، وأرقّ من شمائل الشمال تهصر بانات القدود ، وأعطر من تنفّس الرياض بأفواه الأكمام عن ثغور الزّهر . وأشذى من نسمات الصّبا تعطف واوات الأصداغ وتعبث بالطرر . وأثنية كما موّهت بالسّحر صوارم الأحداق . أو كالمناجاة بين أجفان الغيد وقلوب العشّاق . سألتني أدام اللّه تعالى سنيّ ذاتك ، وأندى غصون مسرّاتك . عن جلية أمري وحقيقة حالي . وما إليه يؤول حطّي وترحالي . فأنهيت إليك أنّني لم أزل في نعم من اللّه تعالى تترى . لا أحصي لها عدّا ولا حصرا . ولا أستطيع القيام بها شكرا . ولما وردت دار السلطنة العليّة . وتمتّعت ببعض منازهها ورياضها البهيّة . وجدتها مشحونة بأعيان الفضلاء وأفاضل الأعيان . ممّن تحلّى بهم لبات المجالس ، وتتقرّظ بجواهر ألفاظهم الآذان . وحصل لي مع بعضهم مزيد ألفة وإنسية . لشغفهم بالمطارحة بلطائف اللغة العربية ومنه في وصف الكتاب . وبرزت منه عذراء مهرها النفوس . تنفح مسكة النقس من أردانها ولا عطر بعد عروس ، فطفقت تعبث بالأحلام ، وتنفث سحرا في لهوات الأفهام . وجعلت أطوف حول كعبة بلاغتها طواف قدوم لا وداع . وألثم من أركانها ما يجمع لي بين هزّة نشطة والتياع . وأدخل جنّات حدائقها دخول رائص متأمّل . فأنزّه طرف الفكر من بديع أزاهير معانيها بما ينسي ذكرى حبيب ومنزل . ثم لإجابة داعيها وتعويلا على النظر بعين الرضا من منشئها . قابلت خزفي بدرها .